عمر فروخ

47

تاريخ الأدب العربي

إلى ذلك من سرعة قبول النّفس للكلم الموزون إذ كان ذلك مشاكلا للطّباع وداخلا في الإيقاع « 1 » . . . . . هذا ، على أنّه قد بلغني أنّ عبد اللّه بن المقفّع المدّعي نقل هذا الكتاب من اللّغة الفارسية هو واضعه وناسبه إلى عناية الفرس تشييدا بذكرها وتنويها بمآثرها « 2 » . فإن كان ذلك كما ذكر فلقائل أن يقول : عبد اللّه بن المقفّع أخذ معاني أشعار حكماء العرب فنثرها « 3 » وألّف عليها هذا الكتاب . . . . . وبعد ، فنحن نسلّم لابن المقفّع صدق ما حكاه ونضاهي أمثال « 4 » هذا الكتاب بما رويناه من أشعار بعض العرب تصديقا لما قدّمناه ؛ فكتاب كليلة ودمنة أصغر وأحقر من أن يضاهى بأمثال كتاب اللّه عزّ وجلّ . فلذلك أحببت أن أنبّه ذوي الألباب بمضاهاة أمثال هذا الكتاب بما ضمّنت مثله أشعار المتقدّمين من الجاهليّين والمخضرمين الذين لم يعن ( ! ) لهم بنقل حكم الأوّلين ولا خرجوا عن برّيّتهم إلى الحضر ولا قرءوا كتب السياسة والسير « 5 » . فاستخرجت الأمثال التي في كتاب كليلة ودمنة من بين حشو كلامه وأحاديثه الجارية مجرى الاختلاف فكان جميع ما فيه منها عشر أوراق ، وكان ما سواها هذاء وكالزبد يذهب جفاء « 6 » . وجعلت بإزاء كلّ مثل مثله من منظوم شعر لمتقدّم جاهليّ وفصيح عربيّ وذكرت اسمه ونسبه لئلّا يظنّ جاهل بالشعر والشعراء أنّي نحلت أحدا ما ليس له للتّعصب واحتجاجا بالتكذّب . . . . . - نموذج من المضاهاة ( ص 17 ) :

--> ( 1 ) الصدوف العزوف ، الزهد في الأشياء وتركها والانصراف عنها . مشاكل ( بضم الميم ) : مشابه ، موافق . الايقاع : وضع الألحان وتبيينها ، تفصيل الانغام . ( 2 ) المآثر : الاعمال المجيدة . ( 3 ) نثر ( الاشعار ) : حلها ، قلبها من المنظوم إلى المنثور . ( 4 ) الأمثال ( القصص ذات المغزى والعبر ) ثم الأقوال الجامعة والحكم . ( 5 ) الجاهليون : الذين كانوا قبل الاسلام . المخضرمون : الذين شهدوا أواخر الجاهلية وأوائل العصر الاسلامي . لم يعن لهم بنقل حكم الأولين : لم يهتم أحد بأن ينقل لهم تلك الحكم الخ . البرية : البادية ، المكان البعيد عن العمران . الحضر : اجتماع الناس في المدن . السير جمع سيرة : تاريخ الفرد من عظماء الرجال . ( 6 ) الهذاء : الهذيان ، الكلام المختلط الذي لا يدل على معنى . الجفاء : البعد . يذهب جفاء : يذهب به بعيدا ، يذهب باطلا ( بلا فائدة ) . احتجاجا : لئلا يظن أحد ( إذا رويت الشعر من غير أن أثبت اسم قائله الخ ) أني أكذب .